سقوط جدر الكبت والخصوصية

لايمكن إغفال التحولات السلوكيه التي طرأت على المجتمعات مع ظهور وانتشار الشبكة العالمية الأنترنت. لقد جاء الأنترنت بنافذة عريضة من الحرية في التعبير وتسببت بسقوط جدر من الاحتكار والكبت والخصوصية في المعلومة. إن التصاعد النجومي لمواقع الشأن العام وبالذات الصحف والمجلات و القنوات الفضائية و كافة الأشكال الأخرى من المصادر الخبرية المشتغلة في صناعة الرأي العام، فتح نافذة يصعب تخيلها من المشاركة الاجتماعية العريضة. جاءت المجتمعات زحفا للتعبير عن حضورها بوجدان أذبله عطش الحرية لتقول: أنا موجود لأن التعبير حقي. إن القدرة على إبداء الرأي و التعبير عن الذات يصحبها نشوة من المعنى والارتقاء الإنساني ما بعدها نشوة . إن التعبير عن الانتماء لهذا الوجود والمشاركة في ان يكون لك سهم في صناعته و لمسات في تجسيد اقل ما يقال فيه هي الحياة بعينها . واصبحت التعليقات مظهرا صارخا حاضرا و اساسيا في عالم الأنترنت. اعترافا لايمكن إغفاله من أي موقع . التعليق يعني الاستجابة لجملة واسعة من المعنى والحقائق المهمة . من تلك الحقائق ان شبكة العلاقات الحية والنابضة اساس التبادل المعرفي والمعلوماتي . وحق المجتمع في التعبير والنقد استجابة مكفولة له في نقد من قبل لنفسه الحضور بعراء الأنترنت. ولعل اجل الحقوق وأهمها شرفا وقيمة هو ان الحرية في التعبير هي استجابة للحق الفطري لا تفضل في القبول بها . فأنا اعلق لأني امارس حقي ولايعني قبول لك بالتفضل بالسماح لي. وفي ظل هذا الظهور السلوكي البائن المتميز لظاهرة التعليق تتمايز المجتمعات على اساس خلفيتها الثقافية وما اختزنته من سلوك وتجارب من حياتها مع الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية . هنا يظهر العربي والمسلم متميزا صارخا في تباينه مع غيره من الجماعات الأخرى في تعاطيه وتلقيه لثقافة التعليق. سلوك جدير بأن يصبح مادة طويلة الأجل للبحوث العلمية في علم السلوك التربوي وعلم النفس والاجتماع . كلما أدخل موقعا خبريا يلفت انتباهي هذا الحضور التعليقاتي الكثيف، فأفرح ومن ثم أحزن عندما أفرغ من قراءتها لأجدها تعبيرا مخيفا عن سلوك تغلبه امارات الاحباط ، الفوضى ،النزاع، عدم الرضا، التذمر، الهدم، الهوى ،الأنانية، الطائفية، العصبية.... عدد بلاحرج. إنها إشارة الى ماضٍ متصل بالحاضر من الحياة الطويلة في كهوف الكبت المظلمة التي بنيت جدرانها وسقوفها من ظلم الكبت. لاعجب في أن ترى من ألف ظلمة كهوف الكبت و اعتاد استنشاق هوائها العفن ان يدخل عالم الانترنت بذات العين المعتادة على عشى الظلام وبنفس الاسم الحركي المألوف على مسامعه في تلك الكهوف ليمارس في عالم الأنترنت ما اعتاد عليه في حياته المأزومة . وهكذا صنع اهم معلم من معالم حياتنا الافتراضية في عالم الانترنت , معلم الأسماء المستعارة لأنها تعبير عن ثقافة الظلام ومعلم التعليق الفوضوي الهمجي لأنه تعبير عن المشي المتعثر في ظلمة الكهوف .لامحاكمة ولاشماتة في ذلك لأنه تعبير عفوي فيما يعمل ويمارس ولاغضاضة على المعلقين فهم أبناء ثقافتهم ونتاج بيئتهم .وإنما الجميل ان نرى انتقال هذه الثقافة بكل تفاصيلها وحيثياتها من حياتنا الواقعية لحياتنا الافتراضية. و السؤال المهم الى متى تستمر هذه الثقافة ؟ aalluwaimi@gmail.com * نقلاً عن صحيفة "اليوم"، الاثنين 24 صفر 1431هـ (8 فبراير 2010م).

التعليــــقات