استشارات

هل يتزوج ابنة زنا؟

السؤال: تعرفت على فتاة تقطن في حينا وهي ذات دين وخلق يشهد لها كل من عرفها ولما هممت بالتقدم لخطبتها تفاجأت أنها ابنة غير شرعية وأنها تقيم مع عائلة أمها فهل يحرم علي التقدم للزواج بها علما بأنها ذات دين وخلق كما أشرت وجزاكم الله خيرا.

الجواب: بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: 

فالإسلام لا يحرم الزواج من ابن الزنا؛ أو من بنت الزنا وذلك لأن ابن الزنا لم يقترف ذنبا حتى يعاقب به؛ وإنما اقترف الذنب أبواه؛ وكل نفس بما كسبت رهينة، ولا تزر وازرة وزر أخرى. 

وعلى هذا فإذا كانت ابن الزنا ذا أخلاق حميدة وكان ذا دين فلا يضره ما اقترفه أبوه، وكذلك الفتاة التي ولدت من زنا إن كانت ذات دين فلا يضرها ما كان من أمر والديها لأن مدار الأمر هو الأخلاق والدين لا غير ذلك.

يقول فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد ـ من علماء المملكة العربية السعودية: 

وما ورد من أحاديث في ذمّ ولد الزنا ، ضعيف لا يصح ، وما روى في سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ولد الزنى شر الثلاثة " فقد ورد عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال::" هو أشر الثلاثة إذا عمل بعمل والديه. يعني ولد الزنا 

وهذا ما قاله سفيان الثوري، فمن أصول ديننا الحنيف أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وقد تكرر هذا المعنى في الكثير من آيات الذكر الحكيم مثل قول الحق سبحانه وتعالى: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [الأنعام/164] وقال تعالى:"مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الإسراء/15] وقال تعالى:"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" [فاطر/18]

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وَوَلَدُ الزِّنَا إنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِلا جُوزِيَ بِعَمَلِهِ كَمَا يُجَازَى غَيْرُهُ، وَالْجَزَاءُ عَلَى الْأَعْمَالِ لا عَلَى النَّسَبِ. وَإِنَّمَا يُذَمُّ وَلَدُ الزِّنَا، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا خَبِيثًا كَمَا يَقَعُ كَثِيرًا. كَمَا تُحْمَدُ الْأَنْسَابِ الْفَاضِلَةِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ عَمَلِ الْخَيْرِ، فَأَمَّا إذَا ظَهَرَ الْعَمَلُ فَالْجَزَاءُ عَلَيْهِ، وَأَكْرَمُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ. الفتاوى الكبرى ( 5/83 ). 

وأما ما يتعلق بحكم الزواج من ابن الزنا أو ابنة الزنا فلم يتناول أحد من الفقهاء غاية ما في المسألة أن الحنابلة اختلفوا هل ابن الزنا يعد كفؤا لذات النسب أو لا؟ فمنهم من رأى أنه كفء لها ، ومنهم من لم ير ذلك لأن ا لمرأة تعير به هي ووليها ،ويتعدى ذلك إلى ولدها. والذي نرجحه أن وسطية الإسلام وسماحته لا تحمل الأبناء جريرة الآباء، فـ " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" [المدثر/38] والذي يميز الناس في الدنيا التقوى والعمل الصالح، ولذلك ساد الكثير من الموالي وصاروا فقهاء يرجع لهم الناس وفاقوا الأحرار، فمعيار التفضيل التقوى والعمل الصالح لا الأحساب ولا الأنساب ولا الأموال والعقارات، فكل هذا إذا وضع أمام الدين في كفتي الميزان لرجحت كفة الدين.

وقد سئل سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله عن رجل زوج ابنته على شخص تبين أنه ولد زنا فما الحكم ؟ فأجاب سماحته: 

" إذا كان مسلما فالنكاح صحيح ، لأنه ليس عليه من ذنب أمه ، ومن زنا بها شيء. لقول الله سبحانه: ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ). ولأنه لا عار عليه من عملهما إذا استقام على دين الله وتخلق بالأخلاق الحسنة لقول الله عز وجل: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) الحجرات/13 ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أكرم الناس قال: أتقاهم.. وقال عليه الصلاة والسلام: " من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه ".. " والله أعلم.

 

المجيب:

د. محمد سعدي

مستشار شرعي، عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

إضافة تعليق ارسل لصديق اضف للمفضلة

اضافة تعليــــق

الاسم
البريد
عنوان التعليق
التعليق
اكتب مايلي :
2283a

ارســـال لصديـق

الاسم
البريد
عنوان صديقك
التعليق

التعليــــقات